فأخذ يسأل نفسه كيف أذهب مع أناس صالحين يقومون الليل ويبكون من خشية الله وينامون ويأكلون على سنة المصطفى صلى الله عليه و سلم وأنا بحالة سكر، وتشابكت الأسئلة في رأسه حتى بدا غير قادر على النوم مرة أخرى، بعد فترة من الزمن أذن المؤذن للفجر فعادوا إلى فرشهم وكأنهم ناموا الليل مثل صاحبهم وما هي إلا برهة حتى أيقظوه لصلاة الفجر ولم يعلموا بأنه كان يراقب تصرفاتهم من تحت الغطاء فقام وتوضأ ودخل المسجد معهم وصلى الفجر وقد كان متزناً أكثر من ذي قبل حيث بدأت علامات السكر تنجلي تماماً من رأسه فصلى الفجر معهم وعاد إلى الاستراحة بصحبة أصدقائه الذين أحبهم لصفاتهم الجميلة وتمسكهم بالدين وإكرامهم له والتعامل معه بإنسانية راقية لم يرها من قبل.
بعدها أحضروا طعام الإفطار وكانوا يقومون بخدمته وكأنه أمير وهم خدم لديه ويكرمونه ويسلمون على رأسه ويلاطفونه بكلمات جميلة بين الحين والحين، فشعر بالسعادة بينهم وأخذ يقارن بينهم وبين جيرانه الذي يقول بأنه يكرههم.
انفرجت أسارير الرجل بعد أن وضع الفطور فتذاكروا مع بعضهم البعض آداب تناول الطعام والطعام موجود بين أيديهم هو يسمع ما يقال فأكلوا طعامهم وجلسوا حتى ساعة الإشراق فقاموا وصلوا صلاة الإشراق وعادوا إلى النوم ثانية حتى الساعة العاشرة صباحاً لكي يتأكدوا من أن صاحبهم أفاق تماماً من سكره، ورجع لوضعه الطبيعي فانفرد بصاحبه قليلاً وقال له:
كيف أخذتني وأنا سكران مع هؤلاء المشايخ الفضلاء سامحك الله سامحك الله، ثم أني وجدت زجاجتي في السيارة فمن أحضرها فقال له الشاب الصالح: أنا أحضرتها بعد أن رأيتك مصر على أخذها وأنك لن تذهب معنا إلا بها فقال له: وهل شاهدها أصحابك فقال له: لا لم يشاهدوها فهي داخل كيس أسود لا يظهر منها شيئاً فقال الحمد لله أنهم لم يشاهدوها.
تحركوا بعد ذلك إلى مكة وصاحبهم معهم ونفس ما قاموا به في بداية رحلتهم قاموا به بعد أن تحركوا فقرؤوا قصار السور وبعض الأحاديث في الترغيب والترهيب أثناء رحلتهم ولكن لاحظوا هذه المرة أنه بدأ يحاول قراءة قصار السور بشكل أفضل من السابق وخلال الطريق تنوعت قراءاتهم فوصلوا إلى مكة المكرمة ودخلوا إلى البيت الحرام وكانوا يكرمون صاحبهم السكير كرماً مبالغاً فيه في بعض الأحيان أملاً في هدايته فطافوا وسعوا وشربوا من زمزم فاستأذنهم أن يذهب إلى الملتزم فأذنوا له وذهب فأمسك بالملتزم وأخذ يبكي بصوت يخيل للشاب الصالح الذي كان يرافقه ويقف بجواره أن أركان الكعبة تهتز من بكاء السكير ونحيبه وأن دموعه أغرقت الساحة المحيطة بالكعبة فكان يسمع بكاءه فيبكي مثله ويسمع دعائه فيؤمن خلفه كان يئن وصاحبه يئن مثله، كان منظراً مروعاً أن ترى منظر بهذا الشكل، كان يدعو الله:
أن يقبل توبته ويعاهد الله أن لا يعود إلى الخمرة مرة أخرى وأن يعينه على ذلك، فلم يكن يعرف من الدعاء غير يا رب ارحمني يا رب أسرفت كثيراً فارحمني أنت رب السموات والأرض إن طردتني من باب رحمتك فلمن ألتجئ، إن لم تتب علي فمن سواك يرحمني يا رب إن أبواب مغفرتك مفتوحة وأنا أدعوك يا رب فلا تردني خائباً.
كان دعائه مؤثراً جداً لدرجة أنه أبكى المجاورين له، كان بكائه مريراً جداً تشعر بأن روحه تصعد إلى السماء حين يدعو ربه، كان يبكي ويستغيث حتى ظن صاحبه أن قلبه كاد أن ينفطر، استمر على هذا المنوال أكثر من ساعة وهو يبكي وينتحب ويدعو الله وصاحبه من خلفه يبكي معه.
منظر مؤثر فعلاً حين يجهش بالبكاء رجلاً تجاوز الأربعين ومتعلق بأستار الكعبة، وأكثر ما جعله يبكي هو أنه كان يقول يا رب إن زوجتي أضربها وأطردها إذا غبت في سكري فتب علي يا رب مما فعلت بها، يا رب إن رحمتك وسعت كل شيء وأسألك يا رب أن تسعني رحمتك، يا رب إني أقف بين يديك فلا تردني صفر اليدين.
يا رب إن لم ترحمني فمن سواك يرحمني، يا رب إني تائب فاقبلني فقل لي يا رب لبيك لبيك لبيك عبدي، يا رب إني أسألك لا تشح بوجهك عني.
يا رب أنظر إلي فإنني ملأت الأرض بالدموع على ما كان مني، يا رب إني بين يديك، وضيف عليك في بيتك الحرام فلا تعاملني بما يعاملني به البشر فالبشر يا رب إن سألتهم منعوني وإن رجوتهم احتقروني، يا رب اشرح صدري وأنر بصيرتي واجعل اللهم نورك يغشاني وكره إلي حب الخمور ما أحييتني يا رب لا تغضب مني ولا تغضب عليّ فكم أغضبتك بذنوبي التي لا تحصى وكنت أعصيك وأنت تنظر إلي.
كان صديقه في هذه الأثناء يطلب منه الدعاء له فكان يزداد بكاءه ويقول يا رب أمن مثلي يطلب الدعاء؟!! يا رب إني عصيتك خمس وعشرين عاماً فلا تتركني ولا تدعني أتخبط في الذنوب، يا رب إني فاسق فاجر أقف ببابك فاجعلني من عبادك الصالحين، يا رب إني أسألك الهداية وما قرب إليها من قول أو عمل وأنا خاشع ذليل منكسر بين يديك، يا رب إن ذنوبي ملأت الأرض والسموات فتب علي يا أرحم الراحمين واغفر جميع ذنوبي يا رب السموات والأرض.
فيشهق ويبكي وأحياناً يغلبه البكاء فلا تسمع إلا صوت حزين متقطع من النحيب والبكاء.
أذن المؤذن لصلاة العصر فجلسوا للصلاة والسكير التائب مازال متعلقاً بأستار الكعبة يبكي حتى أشفق عليه صديقه وأخذه إلى صفوف المصلين كى يصلي ويستريح من البكاء، أخذه معه وهو يحتضنه كأنه أمه أو كأنه أباه فصلى ركعتين قبل صلاة العصر كانت كلها بكاء بصوت منخفض يقطع القلب ويدخل القشعريرة في أجساد من حوله، إن دعاء زوجته في الليل قد تقبله الله وإن دعاء الشاب الصالح قد نفع وأثمر، وإن دعاء أصدقائه في الليل له قد حقق المقصود من رحلتهم، إن الدعاء صنع انسان آخر بين ليلة وضحاها، فبدأ يرتعد صاحبهم خوفاً من الله حين أحس بحلاوة الإيمان.
إن الدعاء في ظهر الغيب حقق النتيجة التي تدله على الهداية، لقد أشفق عليه أصحابه في هذه الرحلة من بكاءه، انقضت الصلاة وخرجوا يبحثون عن فندق مجاور للحرم ولازالت الدموع تملأ وجهه، كان أحدهم يحفظ القرآن عن ظهر قلب هو الآخر، وكان متواضعاً لدرجة كبيرة جداً لا تراه إلا مبتسماً فعندما رأى إقبال صاحبهم التائب إلى الله زاد في إكرامه وبالغ وأصر إلا أن يحمل حذاء ذلك التائب إلا هو وأن يضعه تحت قدميه عند باب الحرم، هذا التصرف من حافظ القرآن فجر في صدره أشياء لا يعلمها إلا الله بل يعجز الخيال عن وصفها حين توصف.
وفعلاً حمل حذائه مع حذائه وخرج به إلى خارج الحرم ووضعهما في قدميه وهو فرح بما يقوم به، استأجروا فندق مطل على الحرم، وجلسوا به خمسة أيام وكان صاحبهم يتردد على الحرم في كل الصلوات ويمسك بالملتزم ويبكي ويبكي كل من حوله، وفي الليل كان يقوم الليل ويبكى فتبكي معه الأسرة والجدران، ولا تكاد تراه نائماً أبداً ففي النهار يبكي في الحرم وفي الليل قائماً يصلي ويدعو الله بصوت يملؤه البكاء، وبعد أن مضت رحلتهم عادوا إلى مدينتهم وهم في طريق العودة طلب من صديقه أن يوقف السيارة قليلاً فأوقفها بناء على طلبه فأخرج التائب زجاجة الخمر من ذلك الكيس الأسود أمام صديقه ومرافقيه وسكب ما فيها وقال لهم اشهدوا على يوم الموقف العظيم أني لن أعود إليها ثانية وأخذ يسكب ما فيها وهو يبكي على ذنوبه التى ارتكبها ويعدد ما فعله بأسبابها وكانت عيون مرافقيه تغرغر بالدموع وتحشر كلمات تنطق من أعينهم لا يعرفون كيف يعبرون عنها فكانت الدموع أبلغ من لغة الكلام فبكوا.
وتحركوا بعد ذلك وهم يبكون مثله، وبدأ الصمت يختلط بالنحيب وبدأ البكاء يختلط بالبكاء، وقبل أن يصلوا إلى مدينتهم قالوا له: الآن تدخل إلى بيتك متهلل الوجه عطوفاً رحيماً بأهلك وأعطوه نصائح عديدة في كيفية التعامل مع الأبناء والزوجة بعد أن من الله عليه بالهداية وأن يلزم جماعة المسجد المجاور له وأن يتعلم أمور دينه من العلماء الربانين، فالله عز وجل يقبل توبة التائب ويفرح بها ولكن الاستمرار على الهداية والتوبة من موجبات الرحمة والهداية فكان يقول والله لن أعصي الله أبداً فيقولون له إن شاء الله والدموع تملأ أعينهم.
وصل إلى بيته ودخل على زوجته وأبنائه وبناته وكان في حال غير الحال التي ذهب بها لم تحاول الزوجة أن تخفي فرحتها بما شاهدته فأخذت تبكي وتضمه إلى صدرها وأخذ يبكي هو الآخر ويقبل رأسها ويقبل أبنائه وبناته واحدا تلو الآخر وهو يبكي، وما هي إلا فترة وجيزة حتى استقام على الصلاة في المسجد المجاور له وبدأت علامات الصلاح تظهر عليه فأصبح ذو لحية ناصفها البياض وبدأ وجهه يرتسم عليه علامات السعادة والسرور وبدأ كأنه مولود من جديد.
استمر على هذا الحال فترة طويلة، فطلب من إمام المسجد أن يساعد المؤذن في الأذان للصلاة يومياً فوافق وأصبح بعد ذلك المؤذن الرسمي لهذا المسجد بعد أن انتقل المؤذن الرئيسي إلى الرفيق الأعلى، وبدأ يحضر حلقات العلم والدروس والمحاضرات بالمسجد ثم قرر أن يحفظ القرآن فبدأ بالحفظ فحفظه كاملاً عن ظهر قلب وخلال هذه الفترة كان صديقه الشاب الحليم يزوره باستمرار ويعرفه على أهل الخير والصلاح حتى أصبح من الدعاة إلى الله واهتدى على يديه العديد من أصدقائه الذين كانوا يشربون الخمر معه فيما مضى، وأصبح إمام للمسجد المجاور له ولا يزال بحفظ الله ورعايته إلى يومنا هذا من الدعاة وإماماً لمسجد الحي.
ملاحظة
هذه القصة حقيقة وليست من نسج الخيال وبالإمكان نشر الأسماء ولكن أصحابها لا يرغبون في ذلك
بعدها أحضروا طعام الإفطار وكانوا يقومون بخدمته وكأنه أمير وهم خدم لديه ويكرمونه ويسلمون على رأسه ويلاطفونه بكلمات جميلة بين الحين والحين، فشعر بالسعادة بينهم وأخذ يقارن بينهم وبين جيرانه الذي يقول بأنه يكرههم.
انفرجت أسارير الرجل بعد أن وضع الفطور فتذاكروا مع بعضهم البعض آداب تناول الطعام والطعام موجود بين أيديهم هو يسمع ما يقال فأكلوا طعامهم وجلسوا حتى ساعة الإشراق فقاموا وصلوا صلاة الإشراق وعادوا إلى النوم ثانية حتى الساعة العاشرة صباحاً لكي يتأكدوا من أن صاحبهم أفاق تماماً من سكره، ورجع لوضعه الطبيعي فانفرد بصاحبه قليلاً وقال له:
كيف أخذتني وأنا سكران مع هؤلاء المشايخ الفضلاء سامحك الله سامحك الله، ثم أني وجدت زجاجتي في السيارة فمن أحضرها فقال له الشاب الصالح: أنا أحضرتها بعد أن رأيتك مصر على أخذها وأنك لن تذهب معنا إلا بها فقال له: وهل شاهدها أصحابك فقال له: لا لم يشاهدوها فهي داخل كيس أسود لا يظهر منها شيئاً فقال الحمد لله أنهم لم يشاهدوها.
تحركوا بعد ذلك إلى مكة وصاحبهم معهم ونفس ما قاموا به في بداية رحلتهم قاموا به بعد أن تحركوا فقرؤوا قصار السور وبعض الأحاديث في الترغيب والترهيب أثناء رحلتهم ولكن لاحظوا هذه المرة أنه بدأ يحاول قراءة قصار السور بشكل أفضل من السابق وخلال الطريق تنوعت قراءاتهم فوصلوا إلى مكة المكرمة ودخلوا إلى البيت الحرام وكانوا يكرمون صاحبهم السكير كرماً مبالغاً فيه في بعض الأحيان أملاً في هدايته فطافوا وسعوا وشربوا من زمزم فاستأذنهم أن يذهب إلى الملتزم فأذنوا له وذهب فأمسك بالملتزم وأخذ يبكي بصوت يخيل للشاب الصالح الذي كان يرافقه ويقف بجواره أن أركان الكعبة تهتز من بكاء السكير ونحيبه وأن دموعه أغرقت الساحة المحيطة بالكعبة فكان يسمع بكاءه فيبكي مثله ويسمع دعائه فيؤمن خلفه كان يئن وصاحبه يئن مثله، كان منظراً مروعاً أن ترى منظر بهذا الشكل، كان يدعو الله:
أن يقبل توبته ويعاهد الله أن لا يعود إلى الخمرة مرة أخرى وأن يعينه على ذلك، فلم يكن يعرف من الدعاء غير يا رب ارحمني يا رب أسرفت كثيراً فارحمني أنت رب السموات والأرض إن طردتني من باب رحمتك فلمن ألتجئ، إن لم تتب علي فمن سواك يرحمني يا رب إن أبواب مغفرتك مفتوحة وأنا أدعوك يا رب فلا تردني خائباً.
كان دعائه مؤثراً جداً لدرجة أنه أبكى المجاورين له، كان بكائه مريراً جداً تشعر بأن روحه تصعد إلى السماء حين يدعو ربه، كان يبكي ويستغيث حتى ظن صاحبه أن قلبه كاد أن ينفطر، استمر على هذا المنوال أكثر من ساعة وهو يبكي وينتحب ويدعو الله وصاحبه من خلفه يبكي معه.
منظر مؤثر فعلاً حين يجهش بالبكاء رجلاً تجاوز الأربعين ومتعلق بأستار الكعبة، وأكثر ما جعله يبكي هو أنه كان يقول يا رب إن زوجتي أضربها وأطردها إذا غبت في سكري فتب علي يا رب مما فعلت بها، يا رب إن رحمتك وسعت كل شيء وأسألك يا رب أن تسعني رحمتك، يا رب إني أقف بين يديك فلا تردني صفر اليدين.
يا رب إن لم ترحمني فمن سواك يرحمني، يا رب إني تائب فاقبلني فقل لي يا رب لبيك لبيك لبيك عبدي، يا رب إني أسألك لا تشح بوجهك عني.
يا رب أنظر إلي فإنني ملأت الأرض بالدموع على ما كان مني، يا رب إني بين يديك، وضيف عليك في بيتك الحرام فلا تعاملني بما يعاملني به البشر فالبشر يا رب إن سألتهم منعوني وإن رجوتهم احتقروني، يا رب اشرح صدري وأنر بصيرتي واجعل اللهم نورك يغشاني وكره إلي حب الخمور ما أحييتني يا رب لا تغضب مني ولا تغضب عليّ فكم أغضبتك بذنوبي التي لا تحصى وكنت أعصيك وأنت تنظر إلي.
كان صديقه في هذه الأثناء يطلب منه الدعاء له فكان يزداد بكاءه ويقول يا رب أمن مثلي يطلب الدعاء؟!! يا رب إني عصيتك خمس وعشرين عاماً فلا تتركني ولا تدعني أتخبط في الذنوب، يا رب إني فاسق فاجر أقف ببابك فاجعلني من عبادك الصالحين، يا رب إني أسألك الهداية وما قرب إليها من قول أو عمل وأنا خاشع ذليل منكسر بين يديك، يا رب إن ذنوبي ملأت الأرض والسموات فتب علي يا أرحم الراحمين واغفر جميع ذنوبي يا رب السموات والأرض.
فيشهق ويبكي وأحياناً يغلبه البكاء فلا تسمع إلا صوت حزين متقطع من النحيب والبكاء.
أذن المؤذن لصلاة العصر فجلسوا للصلاة والسكير التائب مازال متعلقاً بأستار الكعبة يبكي حتى أشفق عليه صديقه وأخذه إلى صفوف المصلين كى يصلي ويستريح من البكاء، أخذه معه وهو يحتضنه كأنه أمه أو كأنه أباه فصلى ركعتين قبل صلاة العصر كانت كلها بكاء بصوت منخفض يقطع القلب ويدخل القشعريرة في أجساد من حوله، إن دعاء زوجته في الليل قد تقبله الله وإن دعاء الشاب الصالح قد نفع وأثمر، وإن دعاء أصدقائه في الليل له قد حقق المقصود من رحلتهم، إن الدعاء صنع انسان آخر بين ليلة وضحاها، فبدأ يرتعد صاحبهم خوفاً من الله حين أحس بحلاوة الإيمان.
إن الدعاء في ظهر الغيب حقق النتيجة التي تدله على الهداية، لقد أشفق عليه أصحابه في هذه الرحلة من بكاءه، انقضت الصلاة وخرجوا يبحثون عن فندق مجاور للحرم ولازالت الدموع تملأ وجهه، كان أحدهم يحفظ القرآن عن ظهر قلب هو الآخر، وكان متواضعاً لدرجة كبيرة جداً لا تراه إلا مبتسماً فعندما رأى إقبال صاحبهم التائب إلى الله زاد في إكرامه وبالغ وأصر إلا أن يحمل حذاء ذلك التائب إلا هو وأن يضعه تحت قدميه عند باب الحرم، هذا التصرف من حافظ القرآن فجر في صدره أشياء لا يعلمها إلا الله بل يعجز الخيال عن وصفها حين توصف.
وفعلاً حمل حذائه مع حذائه وخرج به إلى خارج الحرم ووضعهما في قدميه وهو فرح بما يقوم به، استأجروا فندق مطل على الحرم، وجلسوا به خمسة أيام وكان صاحبهم يتردد على الحرم في كل الصلوات ويمسك بالملتزم ويبكي ويبكي كل من حوله، وفي الليل كان يقوم الليل ويبكى فتبكي معه الأسرة والجدران، ولا تكاد تراه نائماً أبداً ففي النهار يبكي في الحرم وفي الليل قائماً يصلي ويدعو الله بصوت يملؤه البكاء، وبعد أن مضت رحلتهم عادوا إلى مدينتهم وهم في طريق العودة طلب من صديقه أن يوقف السيارة قليلاً فأوقفها بناء على طلبه فأخرج التائب زجاجة الخمر من ذلك الكيس الأسود أمام صديقه ومرافقيه وسكب ما فيها وقال لهم اشهدوا على يوم الموقف العظيم أني لن أعود إليها ثانية وأخذ يسكب ما فيها وهو يبكي على ذنوبه التى ارتكبها ويعدد ما فعله بأسبابها وكانت عيون مرافقيه تغرغر بالدموع وتحشر كلمات تنطق من أعينهم لا يعرفون كيف يعبرون عنها فكانت الدموع أبلغ من لغة الكلام فبكوا.
وتحركوا بعد ذلك وهم يبكون مثله، وبدأ الصمت يختلط بالنحيب وبدأ البكاء يختلط بالبكاء، وقبل أن يصلوا إلى مدينتهم قالوا له: الآن تدخل إلى بيتك متهلل الوجه عطوفاً رحيماً بأهلك وأعطوه نصائح عديدة في كيفية التعامل مع الأبناء والزوجة بعد أن من الله عليه بالهداية وأن يلزم جماعة المسجد المجاور له وأن يتعلم أمور دينه من العلماء الربانين، فالله عز وجل يقبل توبة التائب ويفرح بها ولكن الاستمرار على الهداية والتوبة من موجبات الرحمة والهداية فكان يقول والله لن أعصي الله أبداً فيقولون له إن شاء الله والدموع تملأ أعينهم.
وصل إلى بيته ودخل على زوجته وأبنائه وبناته وكان في حال غير الحال التي ذهب بها لم تحاول الزوجة أن تخفي فرحتها بما شاهدته فأخذت تبكي وتضمه إلى صدرها وأخذ يبكي هو الآخر ويقبل رأسها ويقبل أبنائه وبناته واحدا تلو الآخر وهو يبكي، وما هي إلا فترة وجيزة حتى استقام على الصلاة في المسجد المجاور له وبدأت علامات الصلاح تظهر عليه فأصبح ذو لحية ناصفها البياض وبدأ وجهه يرتسم عليه علامات السعادة والسرور وبدأ كأنه مولود من جديد.
استمر على هذا الحال فترة طويلة، فطلب من إمام المسجد أن يساعد المؤذن في الأذان للصلاة يومياً فوافق وأصبح بعد ذلك المؤذن الرسمي لهذا المسجد بعد أن انتقل المؤذن الرئيسي إلى الرفيق الأعلى، وبدأ يحضر حلقات العلم والدروس والمحاضرات بالمسجد ثم قرر أن يحفظ القرآن فبدأ بالحفظ فحفظه كاملاً عن ظهر قلب وخلال هذه الفترة كان صديقه الشاب الحليم يزوره باستمرار ويعرفه على أهل الخير والصلاح حتى أصبح من الدعاة إلى الله واهتدى على يديه العديد من أصدقائه الذين كانوا يشربون الخمر معه فيما مضى، وأصبح إمام للمسجد المجاور له ولا يزال بحفظ الله ورعايته إلى يومنا هذا من الدعاة وإماماً لمسجد الحي.
ملاحظة
هذه القصة حقيقة وليست من نسج الخيال وبالإمكان نشر الأسماء ولكن أصحابها لا يرغبون في ذلك